المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اراك عصي الدمع


سراب
13 May 2007, 08:24 AM
تأبى الدمعة أن تنداح من عين العاشق الأسير ولكن قريحته السحّاحة التي لا تعرف حدوداً للعطاء أمطرت وابلاً من الحنين والعتب.
شاعرنا الأمير لم تنسه لوعة الأسر عزة نفسه فراح يزهو مفتخراً بمناقبه الجمة، فهو العاشق المخلص والفارس الذي لا يشق له غبار في ساحات الوغى، وهو القمر الذي لا بد أن يفتقده قومه في الليالي الظلماء وما أكثرها بعد غيابه، وهو الذي لا يهاب الموت طالما أنه النهاية الطبيعية لكل البشر وأن أي إنسان مهما طالت به الأيام وانفسح العمر أمامه لا بد ميت، ولا يبقى سوى ذكره الطيب الذي تناقله الأجيال.
والقصيدة يفوح منها أريج العاطفة الصادقة والفروسية العربيةو الحنين إلى الوطن والحبيبة، إلى الحرية وكيف لا يحن الطائر الحبيس إلى فضائه الرحب.
ولد أبو فراس في الموصل من أسرة كريمة ونشأ في بلاط ابن عمه سيف الدولة، وحظي بثقافة واسعة وتعلم فنون الفروسية حتى ولاه سيف الدولة على منبج وحران وقد أسره الروم مرتين وطال به الأسر في المرة الثانية، وعرف ما كتبه في أسره بالروميات توفي عام 968م.
والقصيدة من البحر الطويل.
يقال ان هذه القصيدة جمعت كل اغراض الشعر العربي اهديها لمتذوقي الشعر الفصيح

أراكَ عصيَّ الدَّمْعِ شيمَتُكَ الصَّبْرُ
أما لِلْهَوى نَهْيٌ عليكَ و لا أمْرُ؟

بَلى، أنا مُشْتاقٌ وعنديَ لَوْعَةٌ
ولكنَّ مِثْلي لا يُذاعُ لهُ سِرُّ!

إذا اللّيلُ أَضْواني بَسَطْتُ يَدَ الهوى
وأذْلَلْتُ دمْعاً من خَلائقِهِ الكِبْرُ

تَكادُ تُضِيْءُ النارُ بين جَوانِحي
إذا هي أذْكَتْها الصَّبابَةُ والفِكْرُ

مُعَلِّلَتي بالوَصْلِ، والمَوتُ دونَهُ
إذا مِتُّ ظَمْآناً فلا نَزَلَ القَطْرُ!

حَفِظْتُ وَضَيَّعْتِ المَوَدَّةَ بيْننا
وأحْسَنُ من بعضِ الوَفاءِ لكِ العُذْرُ

وما هذه الأيامُ إلاّ صَحائفٌ
ِلأحْرُفِها من كَفِّ كاتِبِها بِشْرُ

بِنَفْسي من الغادينَ في الحيِّ غادَةً
هَوايَ لها ذنْبٌ، وبَهْجَتُها عُذْرُ


بَدَوْتُ، وأهلي حاضِرونَ، لأنّني
أرى أنَّ داراً، لستِ من أهلِها، قَفْرُ

وحارَبْتُ قَوْمي في هواكِ، وإنَّهُمْ
وإيّايَ، لو لا حُبُّكِ الماءُ والخَمْرُ

فإنْ يكُ ما قال الوُشاةُ ولمْ يَكُنْ
فقدْ يَهْدِمُ الإيمانُ ما شَيَّدَ الكفرُ

وَفَيْتُ، وفي بعض الوَفاءِ مَذَلَّةٌ،
لإنسانَةٍ في الحَيِّ شيمَتُها الغَدْر

تُسائلُني من أنتَ؟ وهي عَليمَةٌ
وهل بِفَتىً مِثْلي على حالِهِ نُكْرُ؟

فقلتُ كما شاءَتْ وشاءَ لها الهوى:
قَتيلُكِ! قالت: أيُّهمْ؟ فَهُمْ كُثْرُ

فقلتُ لها: لو شَئْتِ لم تَتَعَنَّتي،
ولم تَسْألي عَنّي وعندكِ بي خُبْرُ!

فقالتْ: لقد أَزْرى بكَ الدَّهْرُ بَعدنا
فقلتُ: معاذَ اللهِ بل أنتِ لا الدّهر

وما كان لِلأحْزان، ِ لولاكِ، مَسْلَكٌ
إلى القلبِ، لكنَّ الهوى لِلْبِلى جِسْر

وتَهْلِكُ بين الهَزْلِ والجِدِّ مُهْجَةٌ
إذا ما عَداها البَيْنُ عَذَّبها الهَجْرُ

فأيْقَنْتُ أن لا عِزَّ بَعْدي لِعاشِقٍ،
و أنّ يَدي ممّا عَلِقْتُ بهِ صِفْرُ

وقلَّبْتُ أَمري لا أرى ليَ راحَة،ً
إذا البَيْنُ أنْساني ألَحَّ بيَ الهَجْرُ

فَعُدْتُ إلى حُكم الزّمانِ وحُكمِها
لها الذّنْبُ لا تُجْزى بهِ وليَ العُذْرُ

كَأَنِّي أُنادي دونَ مَيْثاءَ ظَبْيَةً
على شَرَفٍ ظَمْياءَ جَلَّلَها الذُّعْرُ

تَجَفَّلُ حيناً، ثُمّ تَرْنو كأنّها
تُنادي طَلاًّ بالوادِ أعْجَزَهُ الحَُضْرُ

فلا تُنْكِريني، يابْنَةَ العَمِّ، إنّهُ
لَيَعْرِفُ من أنْكَرْتهِ البَدْوُ والحَضْرُ

ولا تُنْكِريني، إنّني غيرُ مُنْكَرٍ
إذا زَلَّتِ الأقْدامُ، واسْتُنْزِلَ النّصْرُ

وإنّي لَجَرّارٌ لِكُلِّ كَتيبَةٍ
مُعَوَّدَةٍ أن لا يُخِلَّ بها النَّصر

وإنّي لَنَزَّالٌ بِكلِّ مَخوفَةٍ
كَثيرٍ إلى نُزَّالِها النَّظَرُ الشَّزْرُ

فَأَظْمَأُ حتى تَرْتَوي البيضُ والقَنا
وأَسْغَبُ حتى يَشبَعَ الذِّئْبُ والنَّسْرُ

ولا أًصْبَحُ الحَيَّ الخُلُوفَ بغارَةٍ
و لا الجَيْشَ ما لم تأْتِهِ قَبْلِيَ النُّذْرُ

ويا رُبَّ دارٍ، لم تَخَفْني، مَنيعَةً
طَلَعْتُ عليها بالرَّدى، أنا والفَجْر

وساحِبَةِ الأذْيالِ نَحْوي، لَقيتُها
فلَم يَلْقَها جافي اللِّقاءِ ولا وَعْرُ

وَهَبْتُ لها ما حازَهُ الجَيْشُ كُلَّهُ
ورُحْتُ ولم يُكْشَفْ لأبْياتِها سِتْر

ولا راحَ يُطْغيني بأثوابِهِ الغِنى
ولا باتَ يَثْنيني عن الكَرَمِ الفَقْرُ

وما حاجَتي بالمالِ أَبْغي وُفورَهُ
إذا لم أَفِرْ عِرْضي فلا وَفَرَ الوَفْرُ

أُسِرْتُ وما صَحْبي بعُزْلٍ لَدى الوَغى،
ولا فَرَسي مُهْرٌ، ولا رَبُّهُ غُمْرُ

ولكنْ إذا حُمَّ القَضاءُ على امرئٍ
فليْسَ لَهُ بَرٌّ يَقيهِ، ولا بَحْرُ

وقال أُصَيْحابي: الفِرارُ أو الرَّدى؟
فقلتُ:هما أمرانِ، أحْلاهُما مُرُّ

ولكنّني أَمْضي لِما لا يَعيبُني،
وحَسْبُكَ من أَمْرَينِ خَيرُهما الأَسْر

يَقولونَ لي: بِعْتَ السَّلامَةَ بالرَّدى
فقُلْتُ: أما و اللهِ، ما نالني خُسْرُ

وهلْ يَتَجافى عَنّيَ المَوْتُ ساعَةً
إذا ما تَجافى عَنّيَ الأسْرُ والضُّرُّ؟

هو المَوتُ، فاخْتَرْ ما عَلا لكَ ذِكْرُهُ
فلم يَمُتِ الإنسانُ ما حَيِيَ الذِّكْرُ

ولا خَيْرَ في دَفْعِ الرَّدى بِمَذَلَّةٍ
كما رَدَّها، يوماً، بِسَوْءَتِهِ عَمْرُو

يَمُنُّونَ أن خَلُّوا ثِيابي، وإنّما
عليَّ ثِيابٌ، من دِمائِهِمُ حُمْرُ

وقائِمُ سَيْفٍ فيهِمُ انْدَقَّ نَصْلُهُ،
وأعْقابُ رُمْحٍ فيهُمُ حُطِّمَ الصَّدْرُ

سَيَذْكُرُني قومي إذا جَدَّ جِدُّهُمْ،
وفي اللّيلةِ الظَّلْماءِ يُفْتَقَدُ البَدْرُ

فإنْ عِشْتُ فالطِّعْنُ الذي يَعْرِفونَهُ
وتِلْكَ القَنا والبيضُ والضُّمَّرُ الشُّقْرُ

وإنْ مُتُّ فالإنْسانُ لابُدَّ مَيِّتٌ
وإنْ طالَتِ الأيامُ، وانْفَسَحَ العُمْرُ

ولو سَدَّ غيري ما سَدَدْتُ اكْتَفوا بهِ
وما كان يَغْلو التِّبْرُ لو نَفَقَ الصُّفْرُ

ونَحْنُ أُناسٌ، لا تَوَسُّطَ عندنا،
لنا الصَّدْرُ دونَ العالمينَ أو القَبْرُ

تَهونُ علينا في المعالي نُفوسُنا
ومن خَطَبَ الحَسْناءَ لم يُغْلِها المَهْرُ

أعَزُّ بَني الدُّنيا وأعْلى ذَوي العُلا،
وأكْرَمُ مَنْ فَوقَ التُّرابِ ولا فَخْرُ

Cool Man
13 May 2007, 05:47 PM
من آخر أشعاره مخاطبته ابنة أخيه:

أبنيّتـي لا تـحزنـي كل الأنام إلى ذهـــابْ

أبنيّتـي صبراً جـميلاً للجليل مـن الـمـصابْ

نوحي علـيّ بحسـرةٍ من خلفِ ستركِ والحجابْ

قولـي إذا ناديتنـي وعييتُ عـن ردِّ الجوابْ

زين الشباب أبو فراسٍ لم يمتَّعْ بالشبــــابْ

ومن روائع شعره ما كتبه لأمه وهو في الأسر:

لولا العجوز بـمنبجٍ ما خفت أسباب المنيّـهْ

ولكان لي عمّا سألت من فدا نفـس أبــيّهْ

وفي قصيدة أخرى إلى والدته وهو يئن من الجراح والأسر، يقول:
مصابي جليل والعزاء جميلُ وظني بأنّ الله سوف يديلُ

جراح وأسر واشتياقٌ وغربةٌ أهمّكَ؟ أنّـي بعدها لحمولُ

وأثناء أسره في القسطنطينية بعث إلى سيف الدولة يقول:
بمن يثق الإنسان فـيمـا نواه؟

ومن أين للحرّ الكريم صحاب؟

كلمة أخيرة

أبو فراس الحمداني الشاعر والفارس الذي لا يهاب الموت عاني الكثير من سيف الدولة الذي خاف من فروسيته وشعبيته فأحبّ أن يبقيه في أسر الروم. أما نحن القراء فأمتعنا ما كتبه الشاعر من كتابة صادقة في الحب والفخر والرثاء والشكوى.

يقول:

لم أعدُ فـيـه مفاخري ومديح آبائي النُّجُبْ

لا في المديح ولا الهجاءِ ولا المجونِ ولا اللعبْ

ولما تحرر من أسره حاول ردّ اعتباره واستعادة مجده لكنّ يد الموت كانت أطول . وفي معركة غير متكافئة سقط شاعرنا ومات وهو يلفظ الشعر الصادق، فهو لم يكن يكتب الشعر للتكسّب مثل شعراء العصر العباسي وشعراء البلاط في عصرنا.


أشكرك ((سراب )) على نقل القصيدة الشهيرة لأبي فراس .. ومهما تكلمنا فلن نوفيه حقه ...

تحيتي لك

الـــوافي
13 May 2007, 11:56 PM
يعطيكم العافيه ابدااااااااااع x ابداااااااااااع

وفيت وما توقعت الخيانة
16 May 2007, 03:25 PM
يعطيك العافية د سراب

تقبل مروري
سلطان

ليل
17 May 2007, 03:29 AM
يعطيك العافيه............اختيار يدل على ذوق رفيع

عبدالعزيز آل سرور
26 Jun 2007, 07:07 PM
الخط صغير مدري هو منكم ولا مني

أبو يزن
27 Jun 2007, 05:48 PM
تسلم أياديكم

هنا الاعجاز و الابداع عندما يجتمع cool Man و سراب

قصيدة غاية في الروعه و إضافة أجمل لشاعر وأمير


تقبلوا مروري وتحياتي

عبد العزيز ال موسى
27 Jun 2007, 08:18 PM
صح لسانك

عبد العزيز ال موسى
27 Jun 2007, 08:20 PM
صح لسانك

انسان
04 Oct 2008, 03:57 AM
أراكَ عصيَّ الدَّمْعِ شيمَتُكَ الصَّبْرُ
أما لِلْهَوى نَهْيٌ عليكَ و لا أمْرُ؟

بَلى، أنا مُشْتاقٌ وعنديَ لَوْعَةٌ
ولكنَّ مِثْلي لا يُذاعُ لهُ سِرُّ!

إذا اللّيلُ أَضْواني بَسَطْتُ يَدَ الهوى
وأذْلَلْتُ دمْعاً من خَلائقِهِ الكِبْرُ

قصيدة خالدة ورائعة من روائع الشعر العربي..

شكرا سراب...

abuabaziz
04 Oct 2008, 07:10 AM
ياسراب ..أصبح الشعر العربي الفصيح المقفــــــــى ...يشتكي من قلـــــــــة قارئيــــــــه ومتذوقيه..وأتجـــــــــــه أكثر القارئين إلى أنواع الشعر الأخر وهذا لا غبار فيه ولكن شـــــــــــئ جميل أن يجد الإنســـــــــــــــــــان من يشاركه نفس إهتماماته ..
إختيارك للقصائد السابقة يدل على وجود حــــس راقي لديك وذوق متميز في قرائتك للقصائد الجميلة مما يعكس وجود الذائقـــــــــة الأدبية لديك وسمو تفكيرك....وأود أن أعرف من هم الشعراء المعاصرين الذين تقرأين لهم ؟ وهل تفضلين قراءة المراثي أو المدح أو الغزل أو الملاحم أو الشعر الحماسي ؟...وأنا ايضا لدي ميـــــــــــــــــــل لقراءة الشعر الجميل الذي يجعل القارئ يهتز طربا عند سماعه أو قرائته ..ولك الشكر