جادي
01 Sep 2007, 11:00 AM
هكذا حال المُحبين لا يدومان على وصال إلا ويقطعهم البين ,ولايستمران على حال إلا ويحل الفراق رحله في أراضيهم ,وما يتمتعان بطيب لقاءٍ إلا ويكدِّر صفوهم الوداع ! فهم في ديمومية على هذا الحال ما بقى في الأرض محبين وبقى الزمان . وما أشد مرارة البين حين يأتي جبرا في قالب الإختيارِ ! وما أصعب اللحظات عليهما حينئذ! هي مرات تلومه وتقرعه على الرحيل ,ومرة تشد من أزره ,مشاعر تتضارب في لحظات عصيبة ,وفي قرارة النفس مرارة حلت عليهما ,لن تخفيه النفوس مهما أسرتِ ولم يمنعهما من طول الوصال إلا المانع العضلِ وبعد أن تسير الرياح في غير ما اشتهت السفن ,و تكشف الأيام لهما سوء اختيارهما ,وعاقبة أمانيهما ؛يتمنيان العودة إلى الوراء قليلا ولكن أين الرجوع وقد حكم البؤس عليهما وألقى ظلاله في فيئهما وحينئذ ليس لهما إلا الحسرة التي تُلازمهما.... ولقد كنتُ في سالف الأيام أرى الأدباء يحتفون بقصيدة ابن زريق أيما احتفاء وأنا لاهـيا عنها !لا أدري لماذا!؟ولكن ربما استهوتني عنها قصائد أخرى كانت أبلغ منها في حالها. وفجأة وعلى غير ميعاد ,في صباح غريب ,وجدتني أُردد مطلعها بِترنم عجيب ,واسترجع ما قيل عن صاحبها ,كأن بالأمس قد قرأتها لا قبل سنين طوال. ويقول فاروق شوشه : هذا شاعرٌ قتله طموحه ، يعرفه دارسو الأدب ومحبّوه ، لكنهم لا يعرفون له غير هذا الأثر الشعري الفريد يتناقله الرواة ، وتعنى به دواوين الشعر العربي ؛ فإذا ما تساءلنا عن الشاعر وعن سائر شعره فلن نظفر من بين ثنايا الصفحات بغيـــر بضعة سطور تحكي لنا مأساة الشاعر العباسي / ابن زريق البغدادي الذي ارتحل عن موطنه الأصلي في بغداد قاصداً بلاد الأندلس ، عله يجد فيها من لين العيــــش وسعة الرزق ما يعوضه عن فقره ، ويترك الشاعر في بغداد زوجة يحبها وتحبـه كل الحب ، ويخلص لها وتخلص له كل الإخلاص ، من أجلها يهاجر ويسافر ويغترب وفي الأندلس - كما تقول لنا الروايات وا لأخبار المتناثرة - يجاهد الشاعر ويكافح من أجل تحقيق الحلم ، لكن التوفيق لا يصاحبه ، والحظ لا يبتسم له ، فهناك يمرض ، ويشتد به المرض ، ثم تــكون نهايته في الـــغربة ؛ ويضيف الرواة بـــعداً جديداً للمأساة ، فيقولون أن هذه القصيدة التي لا يعرف له شعرٌ سواها وجدت معــــه عند وفاته سنة أربعمائة وعشرين من الهجرة ، يخاطب فيها زوجته ، ويؤكد لها حبه حتى الرمق الأخير من حياته ، ويترك لنا - نحن قراءه من بعده - خلاصة أمينة لتجربته مع الغربة والرحيل ، من أجل الرزق وفي سبيل زوجته التي نصحته بعدم الرحيل فلم يستمع إليها ، ثم هو في ختام قصيدته نادم - حيث لم يعد ينفع النــدم أو يجدي - متصدع القلب من لـــوعةٍ وأسى ، حيث لا أنيـــس ولا رفيـق ولا معين . ويكمل قائلا : والمتأمل في قصيدة ابن زريق البغدادي لا بد له أن يــكتشف على الــــفور رقة التعبير فيهــا ، وصدق العاطفة ، وحرارة التجربة ؛ فهي تنم عن أصالة شاعـــر مطبوع له لغته الشعرية المتفردة ، وخياله الشعري الوثّاب ، وصياغته البليغــــة الــمرهفة ، ونفســـــه الشعري الممتد ؛ والغـــريب ألا يكون لابن زريق غير هذه القصيدة ، مثله كمثل دوقلة المنبجي الذي لم تحفظ له كتب تراثنا الشعري غيــر قصيدته (( اليتيمة )) .. وهكذا استحق الشاعران فضل البقاء والذكر - في ذاكرة الشعر العربي كله - بقصيدة واحدة لكل منهما .. وبالمقابل ، ما أكثر الــشعراء الذين لا تعيهم ذاكرتنا ، بالرغــم من أنهم سوّدوا مئات الصفحات وتركوا عشرات القصائد وزحموا الدواوين والمكتبات ؛ يستهل ابن زريق قصيدته بمخاطبة زوجته ، يناشدها ألا تعذله أو تلومه ، فقـــد أثر فيه اللوم وآذاه ، وأضـــر به بدلا من أن ينفعه ، إنــه هنا يبـــسط بين يديها أسباب رحيله عنها وتركه لها طمعاً في الرزق الفسيح والــعيش الهانئ الوثير ؛ وسرعــــان ما يعلن عن ندمه لأن ما أمله لم يتحقق ، وما رجاه من رزق وفيـــر لم يتح له .. ؛ ثم يلتفت ابن زريق التفاتة محب عاشق إلى بغداد ، حيث زوجـــته التي تركها دون أن يستمع إلى نصحهــــا ، إنها مملكته التي أضاعها ولــــم يحسن تدبيرها وعرشه الذي خلع عنه .. ؛ وفي ختام القصيدة يــصف ابن زريق - في تعبيرٍ صافٍ مؤثرٍ ونسيج شعري محكم - واقع حاله في الغربة ، بيــــــن الأسى واللوعة ، والألم والندم ، وهنا ينفسح مجال التأمل ، وينطلق اللســــان بالحكمة التي أنضجتها التجربة ، ويشرق القـــــلبُ بالدموع .اه القصيدة لا تعذليـــــهِ ، فـإن العــذلَ يولِـعُهُ .................................. قد قــلتِ حقــاًّ ولـكن ليس يسـمعهُ جاوزتِ فــي لــومــهِ حـدّاً أضرَّ بهِ .................................. مــن حيث قدرتِ أن اللـــومَ ينـفعهُ فاستعملي الرفقَ فـي تأنيبهِ بـــدلاً .................................. من عذلهِ فهو مضنى القلبِ موجعهُ قد كان مضطلعاً بالخــطبِ يحمــلهُ .................................. فضُيِّـقتْ بخطـــوبِ الدهرِ أضـــلعُهُ يكفيــهِ من لوعةِ التشـتيـتِ أن لــهُ .................................. من النَّــــوى كلَّ يومٍ مــــا يــروِّعهُ مــــا آبَ من سـفــرٍ إلاّ وأزعَجــــهُ .................................. رأيٌ إلى سَفَرٍ بالعـــــزمِ يزمــــعــهُ كــــأنّمــــا هو في حلٍّ ومرتــحــلٍ .................................. مـــوكَّــلٌ بقضــاءِ الــلّه يذرعـــــهُ إنَّ الزمـــــانَ أراهُ فـــي الرحيــلِ غنـــىً .................................. ولــو إلـــى الســـدِّ أضحى وهو يزمــعــهُ ومـــــا مجاهـــدةُ الإنســــانِ توصــــلـــهُ .................................. رزقــــاً ، ولا دعـــــةُ الإنســـانِ تقطـعــهُ قــــد وزَّعَ اللّـــهُ بيـن الخـلقِ رزقــهمـــو .................................. لــم يخـــلق الـلهُ مــــنْ خلــــــقٍ يُــضيعهُ لكــنهم كلفـــوا حرصــاً ، فلــــست تـرى .................................. مســـترزقــــاً وسوى الــــغاياتِ تقنعُـــهُ والحرصُ في الرزقِ ، والأرزاق قد قسمتْ .................................. بغيٌ ؛ ألا إنَّ بغـــــيَ المـــــرءِ يصــرعــهُ والدهـــرُ يـعطي الفتى - من حيث يمنعهُ - .................................. إرثـــــــاً ، ويمنعُـــــهُ من حيث يطعمـــهُ أستـــــودعُ الله في بغدادَ لي قـمراً .................................. " بالكرخِ " من فلكِ الأزرارِ مطلعـهُ ودعـــتُهُ وبـــــودي لو يودعـــــني .................................. صفــــوُ الحيـــاةِ ، وأنـي لا أودعـهُ وكم تشبَّث بي يـــومَ الرحيلِ ضحىً .................................. وأدمعــــي مســتـهلاتٌ ، وأدمعُـــــهُ لا أكذبَ اللهُ ، ثوبَ الصبرِ منخـــرقٌ .................................. عنّـــي بفــرقـتهِ ، لكـــــن أُرقِّعُــــهُ إنّي أُوسِّــــعُ عـــذري في جنــايتهِ .................................. بالبيــــنِ عنهُ ، وجـرمي لا يوسِّـعُهُ رُزِقْــتُ مُلكــاً فـلم أحـسن سـياستهُ .................................. وكلُّ من لا يســـوسُ الــملكَ يــخلعُهُ ومــــن غدا لابســــاً ثوبَ النعيمِ بلا .................................. شكـرٍ عليــــهِ ، فإنَّ اللــــه ينزعــهُ اعتضـــتُ مــــن وجهِ خلّي بعدَ فرقـتهِ .................................. كــأساً أُجـــــرَّعُ منهــــــا ما أُجـرّعــهُ كــم قــــائلِ لي : ذقت الـبين ، قلت لهُ .................................. الذنــبُ واللّــه ذنــبي ، لـستُ أدفعـــهُ ألا أقــمـت فـكــان الرشـــدُ أجمـعـهُ ؟ .................................. لو أنــني يـوم بــــانَ الرشــــدُ أتبـعهُ إنــي لأقــطــعُ أيـامـي ، وأنـفــدُهـا .................................. بحســـرةٍ مــنـه في قـلبي تــــقطِّعــهُ بمـــن إذا هــجــعَ النُّـــوامُ بـــتُّ لــــهُ .................................. - بلــوعةٍ مـــنهُ - ليلي لــستُ أهجـعهُ لا يطمـــئنُّ لجــــنبي مضجعٌ ، وكــذا .................................. لا يطمـــئنُّ لـــهُ مـــذْ بِـنتُ مضجعــــهُ ما كــــنتُ أحسـبُ أن الدهـرَ يفجـعني .................................. بــهِ ، ولا أنَّ بـيَ الأيـــامَ تــــفجـــعـهُ حتى جـــرى البـــينُ فيمـا بيـننا بيدٍ .................................. عسـراءَ ، تمــــنعني حظـّـي وتمنعهُ قد كنتُ من ريبِ دهري جازعاً فزعاً .................................. فلمْ أوقَّ الذي قـــدْ كــنتُ أجزعـــــهُ باللّهِ يا منـــزلَ العيشِ الذي درستْ .................................. آثـــــارُهُ ، وعَــــفَتْ مذْ بنتُ أربعهُ هل الــــزمانُ معــــيدٌ فيـــكَ لذتـنا .................................. أم الليالـي الــــتي أمضـتهُ ترجعـهُ في ذمـــةِ الــلهِ من أصــبحتَ منزلهُ .................................. وجــاد غـــــيثٌ على مغناكَ يمرعُهُ من عـــــندهُ ليّ عــــهدٌ لا يـضـيِّعُهُ .................................. كمــــا لهُ عهـــدُ صـــدقٍ لا أضـيِّعُهُ ومن يصــــدِّعُ قـلبي ذكــرهُ ، وإذا .................................. جرى على قلبهِ ذكـــــري يصـدِّعهُ لأصـــبرنَّ لــــدهــــرٍ لا يــــــمتعني .................................. بــــــهِ ، ولا بـــيَ فــي حالٍ يمتعهُ علماً بأن اصطباري معــــقبٌ فرَجاً .................................. فأضـــيقُ الأمـــرِ إن فكَّرتَ أوسعهُ عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا .................................. جسمي ، ستجمعني يومـاً وتجمعهُ وإن تـــغلُ أحــــداً منّـــــا منـــيَّتهُ .................................. فما الـــــذي بقـــضاءِ اللهِ يصـنعهُ ! من هو ابن زريق ؟ قيل : هو شاعر من أهل بغداد قصد أبا عبد الرحمن الأندلسي وتقرب إليه بنسبه، فأراد أبو عبد الرحمن أن يبلوه ويختبره، فأعطاه شيئاً نزراً، فقال البغدادي: إنا لله وإنا إليه راجعون! سلكت البراري والبحار والمهامه والقفار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء النزر؟ فانكسرت إليه نفسه واعتل فمات. وشغل عنه الأندلسي أياماً، ثم سأل عنه فخرجوا يطلبونه ، فانتهوا إلى الخان الذي كان فيه وسألوا الخانية عنه، فقالت: إنه كان في هذا البيت، ومذ أمس لم أره، فصعدوا فدفعوا الباب، فإذا بالرجل ميتاً، وعند رأسه رقعة فيها مكتوب: لا تَعْذُليهِ، فإنّ العَذلَ يولِعُهُ ....قد قلتِ حقّاً، ولكن ليس يسمعُهُ. جاوَزْتِ في نُصْحِهِ حدّاً أضرّ بِهِ ....من حيثُ قَدّرْتِ أن النصْحَ ينفعه. ..... القصيدة ومن ثم ندم الملك على فعلته !!! أجمل التحايا لكم